ابن عربي
129
فصوص الحكم
يبقى لمن يشهد هذا الأمر همة يتصرف بها ، والهمة لا تفعل إلا بالجمعية التي لا متسع ( 1 ) لصاحبها إلى غير ما اجتمع عليه ؟ وهذه المعرفة تفرَّقه عن هذه الجمعية . فيظهر العارف ( 2 ) التام المعرفة بغاية العجز والضعف . قال بعض الأبدال للشيخ عبد الرزَّاق ( 3 ) رضي الله عنه قل للشيخ أبي مدين بعد السلام عليه يا أبا مدين لم لا يعتاص علينا شيء وأنت تعتاص عليك الأشياء : ونحن نرغب في مقامك وأنت لا ترغب في مقامنا ؟ وكذلك كان مع كون أبي مدين رضي الله عنه كان عنده ذلك المقام وغيره : ونحن أتم في مقام الضعف والعجز منه . ومع هذا قال له هذا البدل ما قال . وهذا من ذلك القبيل أيضاً . وقال صلى الله عليه وسلم في هذا المقام عن أمر الله له بذلك « ما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ » . فالرسول بحكم ما يوحى إليه به ( 4 ) ما عنده غير ذلك . فإن أُوحِيَ إليه بالتصرف بجزم ( 5 ) تصرَّفَ : وإن منِعَ امتنع ، وإن خُيِّر اختار ترْك ( 6 ) التصرف إلا أن يكون ناقص المعرفة . قال أبو السعود لأصحابه المؤمنين به إن الله أعطاني التصرف منذ خمس عشرة سنة وتركناه تظرفاً . هذا لسان إدْلال ( 7 ) . وأما نحن فما تركناه تظرفاً - وهو تركه إيثاراً - وإنما تركناه لكمال المعرفة ، فإن المعرفة لا تقتضيه بحكم الاختيار . فمتى تصرف العارفُ بالهمة في العالم فعن أمر إلهي وجبر لا باختيار . ولا نشك ( 8 ) أن مقام الرسالة يطلب التصرف لقبول الرسالة التي جاء بها ، فيظهر عليه ما يصدقه عند أمته وقومه ليظهر دين الله . والولي ليس كذلك . ومع هذا فلا يطلبه الرسول في الظاهر لأن للرسول
--> ( 1 ) ن : لا تتسع ( 2 ) ب : فتظهر للعارف ( 3 ) ن : عبد الرازق ( 4 ) ساقطة في ن ( 5 ) ب : فإن أوحى اللَّه إليه بالتصرف فيه بجزم ( 6 ) ن : وترك . ( 7 ) إدلال بالدال من الدلال . ب : إذلال بالذال أي عبودية ( 8 ) ا : شك